Saturday, February 9, 2008

الثورة المعلوماتية.. وأثرها في تغيير المجتمع

الثورة المعلوماتية.. وأثرها في تغيير المجتمع

أ.د. ناهدة عبد الكريم حافظ جامعة بغـــداد / كلية الآداب

مقدمة:

الحديث عن المعلوماتية، هو في الواقع، حديث عن نقلة كبرى في الوسائل والاساليب التي تنقل المعلومة، وفي سرعة تطور وتراكم المعلومات، وتدفقها السريع بدون ضوابط. بل وفي صيرورتها عنصراً لا غنى عنه من عناصر الانتاج القادر على المنافسة في سوق مفتوحة بلا حدود. ولذلك أيضاً فإن الحديث عن المعلوماتية هو بالضرورة حديث عن العولمة (Globalization) لأن المعلوماتية هي إحدى آلياتها الرئيسية.

في هذه الدراسة الموجزة لا نستطيع أن نقول كل شيء لأسباب عديدة، لعل في مقدمتها أنّ الدراسات التي تناولت الآثار الاجتماعية للمعلوماتية خصوصاً وللعولمة على وجه العموم ما زالت محدودة، وكان التركيز الأشد على الجوانب الاقتصادية والسياسية. ويبدو هذا النقص واضحاً في دول الجنوب التي كانت في الغالب مستقبلاً سياسياً لآثار العولمة.

ولذلك فإنّ هذه الصفحات قد تثير من الأسئلة أكثر مما تثير من الإجابات، وخصوصاً إذا بقي تحليلنا محدداً برؤية سوسيولوجية (اجتماعية). إن أسئلة مثل ما هي المعلوماتية، وما صلتها بالعولمة، وما هو التغير الاجتماعي ((Social Change، ومدى تأثيره بالمعلوماتية، وغيرها ستكون جزءاً من اهتمام هذه الصفحات.

لقد تناولنا في الصفحات التالية أثر الثورة المعلوماتية في المؤسسات الاجتماعية، أي على التغير المجتمعي (Societal Change) وأشرنا إلى أن بنية كل مجتمع تضم ست مؤسسات رئيسية، هي: السياسية والتربوية والأسرية والعسكرية والدينية والاقتصادية. وان هذه المؤسسات البنيوية لاتنفصل عن الثقافة (Culture) وعن الشخصية (Personality). ولاشك أنّ من المستحيل أن نحيط بكل آثار المعلوماتية على كل مؤسسات المجتمع ولذلك آثرنا تناول قضايا الرئيسية التالية :

أولاً: إطار مفاهيمي لتعريف الثورة المعلوماتية والعولمة والتغير المجتمعي.

ثانياً: بعض مؤشرات التغير المجتمعي بتأثير المعلوماتية. وتناولنا:

1 ــ التأثيرات الأسرية (المؤسسة الأسرية).

2 ــ التأثيرات في التعليم (المؤسسة التربوية).

3 ــ التأثيرات في السلطة السياسية (الدولة).

4 ــ المعلوماتية وسلطة الضبط.

ثالثا: خاتمة المعلوماتية والمجتمع العربي، حيث اقترحنا بعض التوصيات التي وجدنا أنها مهمة لمواجهة الآثار المترتبة على المعلوماتية أو العولمة.

إن الثورة المعلوماتية لا تعرف حدوداً، بل هي إحدى آليات هدم الحدود السياسية، كما أنها إحدى آليات هدم حدود الحصانة التقليدية في الفعل البشري. وهدم حدود التجنب الثقافي في كل مجتمع في نظرته إلى المجتمع الآخر وتعامله معه. على أن من المهم أن نشير إلى أن كل ما أوردناه عن الآثار السلبية لثورة المعلوماتية لا يعني أنها بدون آثار إيجابية. لكن آثارها السلبية والإيجابية معا هي آثار نسبية تختلف عن مجتمع لآخر. ويبدو أن المجتمع العربي وبسبب ظروف الاستعمار والتجزئة والتبعية الاقتصادية تأثر سلباً إلى حدٍّ كبير.

آمل أن تكون هذه الصفحات على إيجازها مفيدة..

المبحث الأول

نفكر بطريقة تقليدية بمفاهيم سريعة التغير

نعم نفكر بطريقة تقليدية، لكن المفاهيم التي نفكر بها غير قابلة للإدراك على أساس المقاربة المنطقية. لقد كان العالم رتيباً روتينياً، تتراكم فيه المعارف والمعلومات على نحو بطيء بحيث يستطيع الإنسان أن يستوعبه. ولذلك كان بعض البشر موسوعيين، يعرفون الكثير عن أشياء كثيرة.

اليوم، نتيجة إلى التخصّص الدقيق جداً، تزداد الصعوبة حتى في المجالات التخصصية، حيث تتراكم المعلومات بمتوالية هندسية يعجز العقل الإنساني عن متابعتها. وتشهد المجتمعات الإنسانية بناءاً على ذلك قفزات من التغير الخارجة على حدود الضبط والسيطرة، وسيتحول العالم فعلاً إلى قرية صغيرة لكنها لا تشبه القرى التي نعرفها أو التي قرأنا عنها. قرى تفتقر إلى العلاقات الأولية القائمة على المواجهة والانتماء القرابي والتفاعل المباشر، والتضامن الميكانيكي.

إنها قرية، سوق، تسودها داروينية، البقاء للأقوى من النواحي الاقتصادية والعسكرية، وليس للأقوى حضارياً. قرية ـ سوق ـ، لا يحترم فيها التاريخ كثيراً، ويفكر أناسها بالمستقبل أكثر مما يفكرون بالماضي، ويتحرّر من كثير من الروابط والعقائد التي كان يقدسها في الماضي.

أولاً: المعلوماتية:

تعدّد تعريفات المعلوماتية ليس بسبب تعدّد المرجعيات، بل بسبب الخلط بين أدوات جمع ومناقلة المعلومات والحالة الجديدة التي أوجدها توافر هذه الأدوات. إذ يرى بعض المهتمين أن المعلوماتية هي: علم معالجة الأخبار في إطار المنطق وتلقائية المعلومات والاتصالات البشرية والمعرفة والإعلام.

ويذهب آخرون إلى أن المعلوماتية هي: حالة من تسامي قيمة المعلومات وارتفاعها إلى المستوى الذي يجعلها واحداً من عناصر الانتاج وأحياناً أهمها، وواحدة من عناصر القوة المعاصرة ولربما أهمها أيضاً. حالة تحققت بفضل التقدم التكنولوجي الهائل في انتاج المعلومات وإيصالها وتوزيعها. التعريفات المشار إليها من المدنية ((Civilization. فيما تنطلق الثانية من نتاج تلك الآلة وفعلها. ومن خلال التقريب بين الروايتن نقول: إنّ المعلوماتية تشير إلى التطور الهائل في أجهزة ووسائل انتاج المعلومات، وخزنها واسترجاعها وتوصيلها، إلى الحد الذي أصبحت معه المعلومة قابلة للتراكم المتعاظم، والمؤثر في سياق عمليات الإنتاج الفكري والمادي(1).

إن ربط العلم بالتكنولوجيا، أوجد ظاهرة تكنولوجية جديدة هي ليست بلا تاريخ، إلا أنها تبلورت خلال العقد الأخير من هذا القرن ليصبح التأثير المتبادل، عميقاً وسريعاً وقوياً ومتداخلاً يتعذر قياس مقداره وحساب اتجاهاته وأخيراً التنبؤ بنتاجه.

إنّ سرعة ذلك التغيير جعلت البعض يصف عصرنا بأنه عصر اللاإستمرارية (Discontinuity Age)(2).

ثانياً: العولمة:

يرى كثيرون ــ وهم على حق ــ أنّ الثورة المعلوماتية هي إحدى تجليات العولمة. كما أنها إحدى آلياتها ووسائلها. ويقول الدكتور (سيديس)(3): إن هناك تجليات ثقافية للعولمة، فضلاً عن أن هناك عولمة اتصالية تبرز أكثر ما تبرز من خلال البث التلفزيوني عن طريق الأقمار الصناعية، وبصورة أعمق من خلال شبكة الانترنت التي تربط البشر في كل انحاء المعمورة. فالانترنت قد أدى إلى أكبر ثورة معلوماتية ومعرفية في تاريخ الإنسان. لقد عرفت العولمة بأنها بشكل عام تعني اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة، وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافات والتقانة ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق وتالياً خضوع العالم لقوى السوق العالمية.

يقول الدكتور (برهان غليون): إن العولمة هي حاصل دمج معطيات الثورة التقنية العلمية واستراتيجية إعادة الهيكلة الرأسمالية معاً. ولم يكن لامكان الاستراتيجية الرأسمالية النيوليبرالية النازعة إلى فرض فتح الأسواق الوطنية وتعميم حرية التجارة، لخلق سوق على اتساع الكرة الأرضية... من دون المكتسبات الهائلة في تقنية الاتصالات وما تعنيه من تجاوز حدود الزمان والمكان والربط الفوري بين الأسواق المالية(4).

إن العولمة قاعدة مادية هي التقدم التقني والعلمي والإمكانات الموضوعية التي يفتحها أمام توسع دائرة المبادلات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية والعالمية. إنّ الثورة المعلوماتية تستثمر ضعف دول الجنوب وتعمل على تحويلها إلى سوق استهلاكية، كما تعمل على اختراق العقل بهدف تغيير ثوابته ومنظوماته القيمية وضوابطه السلوكية، لكي يصبح بدوره أداة تغيير للثقافة(5).

ثالثاً: التغير الاجتماعي:

نقصد بالتغير الاجتماعي لأغراض هذه الدراسة، التغير المؤسسي (Institutional Change)، أي ذلك الذي يقابل مؤسسات المجتمع الرئيسة، وفي مقدمتها المؤسسة السياسية والمؤسسة الاقتصادية والأسرية والتربوية والدينية، فضلاً عن المؤسسة العسكرية.

ومن المؤكد أن هذه المؤسسات لاتنفصل عن عنصرين مهمين هما كالآتي:

أولاً الشخصية : personality

ثانياً : الثقافة : culture

العوامل البايولوجية(6):

فالمجتمع Societal هو المزايا النظامية التي تطبع الحياة الأجتماعية(7) والتي تطالها الثورة المعلوماتية .

المبحث الثاني

بعض مؤشرات التغير المجتمعي بتأثير الثورة المعلوماتية

لعل أول ما ينبغي ملاحظته هو أن الثورة المعلوماتية كادت أن تدخل كل بيت وتتناول في تأثيرها معظم البشر. فعلى سبيل المثال ذكرت صحيفة (اللايبو ليكا) الايطالية في 19/شباط /1997، انه يوجد في العالم ـ آنذاك ـ (1.28) مليار جهاز تلفزيون و(690) مليون مشترك على جهاز الهاتف منهم (80) مليون اشتراك بالهاتف الخلوي و(200 ) مليون حاسوب منها (30) مليون مربوطة على الانترنت وتوقعت الصحيفة أن يصل عدد المتواصلين عبر الانترنت (600) مليون جهاز تربط مليار مشترك، وقدرت كلف قطاع صناعة الاتصالات بما يعادل (10% ) من الاقتصاد العالمي. وقدر عدد الأشخاص الذين استخدموا الانترنت في عام 1995 بعشرة ملايين شخص وان الرقم ارتفع إلى مليار عام 2000. وهكذا يمكن القول إن الإنسان على امتداد الكرة الارضية قد أصبح متأثراً بصورة أو بأخرى بهذه الثورة المخترقة للحدود وللعقول معاً(8).

أولاً : التأثيرات الأسرية :

استقرت الأسرة (Family) الانسانية على منزلات محددة، ولم يكن متصوراً أن قيم تجاوزها بالصورة التي تحدث اليوم. ولعل من أهم الصور التي استقرت عليها تتمثل في أن يكون للأسرة والدين من جنسين مختلفين، يربط بينهما عقد شرعي، أو أي صيغة يقرها المجتمع ومعهما أبنائهما، أو بدونهم. وأن هناك تقسيم للعمل الاجتماعي داخل الأسرة يعتمد على أساس الجنس والعمر وغيرهما. اليوم تروج وسائل الاتصال بأنماط جديدة من (الأسرة) أهمها : الأسرة المكونة من الأم وأطفالها فقط. أي الأطفال الذين هم نتاج علاقة غير شرعية بالضرورة وتعترف دول عديدة، منها فرنسا بمثل هذه الأسرة، وهؤلاء الأطفال تقدم لهم الإعانات الاجتماعية كأسرة معترف بها اجتماعياً ورسمياً، كذلك تقدم لنا وسائل الاتصال صورة الأسرة المؤلفة من شخصين من مثيلي الجنس وتعترف دول مثل بيريطانيا وهولندا بمثل هذه العلاقة الانحرافية. من جانب آخر فإن انفتاح الحدود وإمكانات السفر وسهولة الاتصال أدت إلى إحداث حالات تفكك مختلفة ومتنوعة في بنية الأسرة يمكن أن نشير إلى أهم نماذجها فيما يأتي:

1- الاتجار بالنساء : إذ تشير تقارير للأمم المتحدة إلى أن الاتجار بالنساء والفتيات من أجل استغلالهن جنسياً قد أصبح واسع الانتشار، فعلى سبيل المثال تنقل (500،000) امرأة وفتاة سنوياً إلى غرب أوربا وحدها، لهذا الغرض. وتقدر قيمة هذه التجارة (7) مليارات دولار سنوياً، ويعد الانترنت وسيلة سهلة لهذه التجارة(9).

2- اتساع ظاهرة الهجرة، سواء الفردية أو الأسرية؟ وقد نشرت وكالات الأنباء المختلفة أخباراً كثيرة عن أفراد وأسر غرقوا في بحار ومحيطات وعن مئات يعيشون في معسكرات كما هي الحال في ألمانيا وأستراليا وإيطاليا. يقول تقرير للأمم المتحدة إن هذه الهجرة مازالت غير موثقة، غير أن هذه التجارة تؤدي إلى نقل (4) ملايين نسمة سنوياً، وتدر على المشتغلين بها ما يقرب من (7) مليارات دولار. ويتسم عدد كبير من الهجرة بطابع جنساني لأن (50) مليون على الأقل من المهاجرين من النساء. و(30) مليون منهن من الدول النامية(10).

3- اتساع ظاهرة الاتجار بالأطفال واستخدام العنف ضدهم. ويأخذ ذلك أشكالاً متعددة منها ما يسمى بالسياحة الجنسية، حيث يُعتدى على الأطفال جنسياً من قبل السياح الغربيين، وخصوصاً في دول جنوب شرق آسيا الفقيرة. كما يجري استغلال ما لايقل عن (500) ألف طفل في آسيا وحدها. من جانب آخر فإن هذه الثورة المعلوماتية ومن خلال الفضائيات خصوصاً تخترق حدود المحرمات الأسرية، التي كانت القيم الثقافية تمنحها قداسة زائدة، فهي تشجع على انهيار معايير المكانة التقليدية، والشك ظاهرة صراع الأجيال وتدمير بنية الأسرة، وعلاقاتها القرابية وتنزع عنها وظيفتها بوصفها إحدى شبكات الأمان الاجتماعي.

ثانيا: تأثير المعلوماتية في التعليم:

ينبغي الاعتراف ابتداءاً بأن نظمنا التعليمية متخلّفة، وأنّ معظم مجتمــعات دول الجنوب تعاني من وطأة وسطحية التعليم بمعناه التقليدي القائم على الاملاء والحفظ المجرد.

ولذلك فإن استفادة نظام تعليمي كهذا تكون دائما محـــــدودة. فـدول الجنوب ما زالت تستورد الأجيال القديمة في حقل الاتصالات والاعلام. ويلاحظ ان هناك (500) قمر صناعي تدور في الفضاء، وترسل صوراً إلى شاشات أكثر من مليار جهاز تلفزيوني تدعو إلى ثقافة واحدة. ومن خلال هذه الأقمار انتقل الإعلام من الأرض، وأصبح الفضاء وطناً جديداً له(11).

إن العالم يواجه اليوم مشكلات حقيقية مع نمو وتطور وانتشار شبكات الحاسبات. إذ أن وقت أقل يعطى للتدريس داخل الصفوف. وأن هذا الوقت على قصره يتناقص باستمرار.

لقد كانت الكلمات في ما مضى هي الوسيلة للتعبير عن الفكرة. فالمعنى يولد من خلال الكلمات أو بواسطتها، إلا أن النمط الرقمي والرمز الرقمي, يعبر عن الكلمات والأرقام، ويمكن أن يولّد الصور والأصوات, وهو أمر لا يمكن أن يوفره النمط الطباعي. علاوة على أن المعلومات أي الكتب والبيانات من النمط الرقمي تكون قابلة للنقل والحمل والمضاهات واجراء عمليات المونتاج عليها. ان طرق ومفاهيم جديدة في التعليم مثل :

ــ التعليم الشخصي (الفردي ) : Individual Learning

ــ التعليم الحي او المستمر :Independent Learning

ــ التعليم التكنلوجي المتقدم : Hi-Tech Learning

ــ التعليم الفعال : Active Learning

ــ التعليم المباشر :Direct Learning

ــ التعليم التفاعلي : Inter-Active

ولكن هل تستطيع مجتمعات دول الجنوب ذات الانظمة التعليمية المتخلّفة أن تستوعب هذه الأنماط من التعليم وأن تجهز مدارسها بالوسائل والتقنيات الضرورية لذلك. أم أن الثورة المعلوماتية على قدر إيجابياتها تعيد تعريف مفاهيم (المتعلم) و(الأمن) إلى جانب أن صعوبة التكيف لنتائج الثورة المعلوماتية يجعل دول الجنوب في حالة من التبعية التكنولوجية.

لقد أدت هذه الثورة إلى تعميق عقدة التخلف التقني وأدت أيضاً إلى تفعيل وتوسيع عملية غسيل الدماغ القيمي للعقل العربي خصوصاً، وأن أمريكا وأوربا واليابان وكندا تمثل 55% من التجارة العالمية في تقنية المعلومات. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ان الدول المتقدمة صناعياً وعلمياً تشجع الملاكات (الكوادر) العلمية والبحثية في دول الجنوب على الهجرة إليها وترك أوطانهم، مما يزيد من تخلف المؤسسة التعليمية وجعلها جزءاً من بنية وظيفية متخلفة في الدولة.

ثالثاً: المعلوماتية والسلطة السياسية (الدولة):

كيف تستطيع وسائل الضبط الرسمية أن تحول بين المواطن وبين التعرض للتيارات السلبية، أو الانحرافية عندما تكون المحطات الفضائية تمارس دوراً تخريبياً بدون ضوابط وطنية. ومن المعلوم ان العولمة تتخذ من وسائل الاتصال العابرة للحدود الوطنية أداة إضعاف للدولة القومية وتدمير مؤسساتها الضبطية مع انهيار الحدود السياسية وتلاشي الرقابة على التيارات والافكار الوافدة. إن المعلوماتية تعزز العابا تركيبية واساليب ترميز بديلة تدخل ضمن تدفقات سريعة ومكثفة للسلع وللرموز والناس بالصور والمال على النطاق العالمي، وهي تدفقات تفرق وتفتت وتتسم بالفوضوية ولا نظام، والتدفقات لا تقيدها الحدود المكانية فهي تمر عبر اللاحدود، إن هذا التدفق (غير القومي) للسلع والأفكار والأشخاص مستمر منذ قرون إلا أنه حتى الخمسينيات والستينيات على الأقل أبطأ وأقل مدى وأضيق نطاقاً من اندفاع المنتجات والأفكار والأشخاص والأموال الذي تطور بظهور النقل النفاذ والاتصال الالكتروني والتحرر المكثف من الاستعمار. والاستخدام المكثف للحواسيب الآلية. لقد تحولت الثقافة نفسها إلى ثقافة التدفق (بعد الحديثة) إلى سلعة في حد ذاتها وأصبح سوق بديلاً عن نفسه. إن غزو الأسواق يعني الحد من سلطة الدولة. بل إننا نستطيع أن نظهر إلى المعلوماتية في بعدها الاجتماعي ــ السياسي من زاوية أنها توجد مركزاً امبريالياً من الوجهة التقنية والعلمية مع محيط هش مسيطر عليه في أكبر عملية غسيل دماغ شهدها الإنسان في كل عصوره.

يقول فيذرستون: إن التناقضات المتزايدة في إطار جدلية عن المركزية التنظيمية واللامركزية المعلوماتية بين الأماكن والتدفقات، تمكن من الكشف عن حقيقة تحول تدفقات القوى تدريجياً إلى قوى التدفقات. والحقيقة أن التدفقات ربما كانت هي أساس تحديد أنماط جديدة من المناطق الخارجية المركزية وشبه الهامشية والهامشية بإعادة تركيبها بنية أسواق المدن والمناطق والدول. إن المعلوماتية تجد في أعقابها قواعد اجتماعية ومكانية جديدة. وعلى صعيد المجتمع الواحد, وحين تصبح أدوار الدولة هامشية, وخصوصاً في ضل عمليات التكيف الهيكلي للاقتصاد، فإن الأدوار المركزية تكون للشركات العابرة الفاقدة للهوية.

إن تدفق المعلوماتي يخلق مجتمعات محلية عالمية جديدة تشوه الجغرافيات القديمة، للآخر وللذات، أو الصديق أو العدو في الصيغ المعلوماتية الجديدة لجغرافيات الايديولوجيا، والفديو وحكومة الأثرياء. إن من الممكن القول إن العولمة، ومن خلال أدواتها الأساسية مثل مؤسسات الاقراض الدولية (برايتون وودز) وآليات الثورة المعلوماتية، تؤدي إلى تناقص قدرات الدول تدريجياً، وبدرجات متفاوتة فيما يتعلق بممارسة سيادتها في ضبط عمليات تدفق الأفكار والمعلومات والسلع والأموال والبشر عبر حدودها. فالثورة الهائلة في مجالات الاتصال والمعلومات والاعلام حدّت من أهمية الحواجز والحدود الجغرافية.

وإذا كان بمقدور بعض الدول أن تحد في الوقت الراهن وبصورة جزئية من التدفق المعلوماتي والإعلامي القادم إليها من الخارج، فإن هذه القدرة سوف تتراجع إلى حد كبير وقد تنعدم في المستقبل خاصة في ظل وجود العشرات من الأقمار الاصطناعية، كما أن توضيف التكنولوجيا الحديثة سيحدّ من قدرة الحكومات على المعاملات المالية مما سيكون له تأثيره في سياستها المالية والضريبية وقدرتها على محاربة الجرائم الاقتصادية. إن كل ذلك جعل مصير الدولة القومية موضع تساؤل.

إن الثورة المعلوماتية تعيد صياغة بنية المؤسسة السياسية سواء من حيث مفاهيم السيادة والأمن، أو من حيث مفاهيم الديمقراطية والمشاركة والقدرة على الضبط والتعامل مع الأزمات، والتدخل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنين. ويتعاظم ضعف الدولة كلما قوي الاختراق الثقافي، فالدولة لا تستطيع على ما تبثه المواقع المختلفة على شبكة الانترنيت العنكبوتية.

إنّ دول العالم الثالث تعتبر أكثر تأثراً من الناحية السلبية للثورة المعلوماتية وذلك لعدة اعتبارات منها: ضعف وهشاشة أجهزة الدولة ومؤسساتها السياسية وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية مع تدني القدرات التكنولوجية. إن انهيار الحدود قد أفسح المجال لعملية (الافساد) حتى تأخذ مدى أوسع وأخطر.

رابعاً: المعلوماتية وسلطة الضبط:

الدولة هي المعبر المهم أو الفاعل الأساس في ممارسة الضبط الرسمي. فهي تراقب وتصادر وتقيم أنظمة للوقاية ومؤسسات وإجراءات للعلاج. ولكن إذا كانت الدولة ذاتها بكل مؤسساتها السياسية تتعرض للضعف والتهميش، فما بال العائلة؟ وقد أشرنا إلى جوانب من ضعفها، ونشير هنا إلى أن سياسات التثبيت الهيكلي للاقتصاد زادت من ظواهر التهميش والاستبعاد والفقر، واتسعت دائرة الأعمال الهامشية وغير الرسمية، وازداد عدد الأسر التي تقودها نساء.

ويشير تقرير للأمم المتحدة إلى أن الانترنيت هو وسيلة سهلة للاتجار بالمخدرات والأسلحة والنساء عن طريق شبكات يكاد يستحيل تتبعها. ففي عام 1995 قدرت قيمة تجارة المخدرات غير المشروعة بنسبة 8% من قيمة التجارة العالمية، أي ما يتجاوز قيمة تجارة المركبات أو الحديد الصلب، كما أن غسل الأموال الذي يقدر صندوق النقد الدولي أنه يعادل نسبة تتراوح بين 2-5 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي يخفي آثار الجريمة في ثوان معدودة بواسطة ضغطة واحدة على (فأرة) الحاسوب، وبذلك وغيره يتزايد نفوذ الجريمة المنظمة التي يقدر أنها تحصد (1,5) ترليون دولار سنوياً.

إن منظمات الجريمة العالمية قادرة على توريط الساسة ودوائر الأعمال والشرطة في الإجرام، بحيث تجني ثمار العولمة وتقيم شبكات تتسم بالكفاءة(12).

لقد ركز مؤتمر الأمم المتحدة العاشر لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذي انعقد في فينا خلال الفترة 10-17/نيسان 2000 على مواضيع التعاون الدولي في مواجهة الجرائم المتصلة بشبكة الحواسيب الدولية (الانترنت)، وأتاح للمستعملين إجراء الاتصالات والتصرفات والمعاملات التجارية مع مستعملين آخرين في جميع أنحاء العالم(13). ويلاحظ أن متوسط كلفة معالجة المعلومات قد انخفض من (75) دولار لكل مليون عملية إلى أقل من واحد على المئة من السنت خلال الفترة 1960 إلى عام 1990، وانخفضت تكاليف تشغيل الخطوط الجوية لكل ميل بمقدار النصف في الفترة من عام 1960-1990، وانخفضت تكلفة المكالمة التليفونية التي تبلغ مدتها ثلاث دقائق من نيويورك إلى لندن من (245) دولار عام 1930 إلى (بسعر الدولار عام 1990) إلى اقل من (50) دولاراً عام 1960 ثم إلى (3) دولارات عام 1990 والى حوالي (35) سنتاً عام 1999([100]).

كل ذلك شجع الناس على استخدام هذه الأجهزة، لكنه في الوقت نفسه أوجد مشكلات مؤسسية معقدة في أجهزة الشرطة الجنائية (الانتربول) في دورتها المنعقدة في بكين (4-10/10/1995) بمعالجة مشكلة الإجرام الكومبيوتري وتشجع اعتماد معاير موحدة ومتفق عليها في التحقيقات الدولية المتعلقة بالكومبيوتر، كما أوصت الدول الأعضاء بوضع وتعزيز القوانين التي تخول السلطات الأمنية والبحث والضبط بشأن جرائم الاحتيال الكومبيوتري.

لقد قدر حجم خسائر الشركات المنتجة للبرامج الكومبيوترية من جراء أعمال القرصنة وحدها بنحو (300) مليون دولار سنوياً(14). إن جرائم عديدة ومختلفة ترتكب من خلال استخدام آليات المعلوماتية، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر، عرض الصور الإباحية. إذ بحسب دراسة أجرتها جامعة (كارنيجي) ان (68) مزوداً (موقعاً) في الغرب زودت المستعملين بنصف مليون صورة وملف.

لقد اتجهت آليات الهيمنة نحو تدويل الاقتصاد وتدويل رأس المال وقوة العمل والانتاج. وكذلك تدويل أنماط الاستهلاك، بل وتدويل الثقافة ذاتها. إن الاختراق الثقافي يعمل على تهديد منظومة القيم الأصيلة، ويشكل نوعاً من الازدواجية الثقافية التي تجتمع فيها تناقضات الأصالة والمعاصرة، مما يؤدي إلى تهميش وتغيير ملامح الثقافة الوطنية والقومية. كذلك تلعب التقنيات الحديثة وبخاصة في مجال تدفق المعلومات دوراً أساسياً في إعادة أو إحياء الثقافات المحلية (ثقافات الأقليات)، والبدء في بلورة ما يسمى بثقافة عالمية، وكل ذلك على حساب الثقافات الوطنية(15).

إن المجتمع العربي يفتقر يوما بعد يوم، وبسبب عامل التجزئة وعدم القدرة على التعامل مع عالم التجمعات الكبرى، مثل الاتحاد الاوربي والنمور الآسيوية وغيرها، يصبح مفتوحاً لكل التيارات المدمرة.

توصيات هامة لمواجهة الآثار المترتبة على المعلوماتية

إن الفرد العربي يصبح أكثر انقطاعاً عن بيئته الأسرية والمحلية حين يصبح جزءاً من شبكة عالمية تتراجع فيها العلاقات الحميمة وتسود المصالح وتختفي أو تضعف قيم الوطنية والقومية لصالح قيم السوق. وهو ما يستدعي اتخاذ اجراءات سريعة وحاسمة لعل أهمها:

1 ــ إيجاد محطة فضائية عربية.

2 ــ إصدار إعلان عالمي عن حقوق المعرفة.

3 ــ الاهتمام بالاقتصاد المعرفي.

4 ــ إيجاد المؤسسات والنظم العربية التي تساعد على التكيف مع تيار العولمة المعلوماتية والاستفادة منها.

5 ــ تيسير حصول المواطن على تقنية المعلومات المتقدمة كالحواسيب وتوفير خبرة التعامل معها من خلال الدورات.

6 ــ تطوير النظام التعليمي والتربوي بحيث يستوعب آثار الثورة المعلوماتية ويتفاعل معها إيجابياً

الهوامش

1 ـ د. صبري مصطفى البياتي، (المعلوماتية والشباب العربي، بحث في: مجلة دراسات اجتماعية (بغداد: بيت الحكمة، 2001 )، العدد 10, ص 44 ـ 45.

2 ـ اكرم محمد عثمان،(تكنولولجيا المعلومات وافاق المستقبل )، مجلة دراسات فلسفية، بغداد ـ بيت الحكمة، العدد(1)، 2001، ص47.

3 ـ د.سيريس، في مفهوم العولمة، بحث في (العرب والعولمة)، مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت: 1998)، ص 32-33.

4 ـ د. برهان غليون و د.سمير أمين، ثقافة العولمة، وعولمة الثقافة، (بيروت ـ دار الفكر المعاصر، 1999)، ص136.

5 ـ نفس المصدر، ص137.

6 ـ هذا المخطط معدل عن المخطط الوارد في: د. إحسان محمد الحسن، علم الاجتماع :دراسة تحليلية في النظريات والنظم الاجتماعية، (بغداد:جامعة بغداد: 1988)، ص301.

7 ـ د.نيكسن ميتشيل، معجم علم الاجتماع، ترجمة د.احسان محمدالحسن (بغداد ــ 1980), ص329 .

8 ـ حسن محمد طوالبة، أثر الفضائيات في التماسك الاجتماعي العربي، مجلة دراسات اجتماعية، بيت الحكمة(8), 2000، ص51-52 .

9 ـ برنامج الامم المتحدة الانمائي، تقرير التنمية البشرية لعام 1999، ص5 .

10 ـ المصدر السابق، ص33 .

11 ـ حسن محمد طوالبة، اثر الفضائيات في التماسك الاجتماعي العربي، مجلة دراسات اجتماعية، بيت الحكمة، (8) ,2000، ص58.

12 ـ البرنامج الانمائي للامم المتحدة، تقرير التنمية البشرية، 1999، ص5 .

13 ـ أكرم عبد الرزاق المشهداني، الجرائم التكنلوجية، (بغداد : شركة الوفاق، 2001)، ص16.

14 ـ البرنامج الانمائي، مصدر سابق، ص28.

15 ـ المشهداني، مصدر سابق، ص 17 وص20.

16 ـ أحمد مجدي حجازي، العولمة وتهميش الثقافة الوطنية، مجلة عالم الفكر.

No comments:

Post a Comment

Post a Comment